خاص : رؤية ضبابية لما بعد ابو مازن : سيناريوهان لا ثالث لهما لخلافة الرئيس عباس

0

 التاسعة العربية – رام الله – فوضى وفلتان عام وأضطرابات يشهدها الرأي العام ، وصراع داخلي على السلطة، فراغ سياسي، انهيار السلطة وربما اتفاق أوسلو نفسه.

هذه بعض من العناوين التي نطالعها في الصحف الإسرائيلية والأمريكية والعربية خلال السنوات الماضية منذ بدء الحديث عن خليفة للرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، الذي يبلغ من العمر 83 عاماً. التقارير الأخيرة عن تدهور صحة أبو مازن، الذي يقال أنه يعاني من التهاب رئوي، أعادت إلى الواجهة كل هذه المخاوف والسيناريوهات المتوقعة لما بعد أبو مازن. الأهم هو “اكتشاف” ذلك المرشح الذي سيتمكن من استلام الإرث الثقيل الذي سيتركه رئيس السلطة الفلسطينية الذي انتهت ولايته دستوريًا في 2009 (لكنه ظل بمنصبه بسبب الانقسام الفلسطيني وعدم إجراء انتخابات رئاسية).

لا يبدو أن أبو مازن سيستمر في منصبه طويلاً هذه المرة، فمنذ دخوله إلى المستشفى الاستشاري العربي في رام الله، بدأت موجة من التكهنات بشأن مستقبل السلطة الفلسطينية ومن هو الخليفة المنتظر. بحسب المادة 37 من القانون الأساسي الفلسطيني ففي حال شغور منصب رئاسة السلطة، بالاستقالة أو الوفاة، يتولى المنصب رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، والذي يشغله حالياً القيادي في حركة حماس عزيز الدويك. ولكن عملياً، المجلس التشريعي الحالي معطل منذ عام 2007 بسبب الانقسام بين حركتي فتح، ممثلة بالسلطة الفلسطينية وحركة حماس التي تحكم قطاع غزة من 11 عاماً.

البحث عن بديل
“تطبيق سيناريو ما بعد وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2004، وهو أن يتولى رئيس المجلس التشريعي رئاسة السلطة لمدة 60 يوماً حتى إجراء الانتخابات لا يبدو وارداً، سيتم منع عزيز دويك من استلام منصب أبو مازن، هذا شيء مؤكد،” يقول البروفيسور عبد الستار قاسم، كاتب ومفكر ومحلل سياسي فلسطيني. قاسم والذي سبق وأعلن ترشحه لمنصب الرئاسة أمام محمود عباس في عام 2004 قبل أن يعلن انسحابه من السباق، والذي أيضاً تمت محاكمته بتهمة إهانة الرئيس الفلسطيني في 2016 قبل أن تتم تبرئته، لا يبدو متفائلاً بالمستقبل. “كلهم أبو مازن، بروح أبو مازن بيجي واحد غيره،” يقول. قاسم يرى أن الحديث عن خلافة عباس يعطي الشعور وكأنه خيار فلسطيني، في حين أنه يرى أن من يقرر الخليفة هي الولايات المتحدة واسرائيل: “لو كانت إسرائيل وأمريكا لديهما بديل حقيقي لمحمود عباس كان زمان عملوا انتخابات. لا أتحدث هنا عن أي بديل، ولكن بديل يمكنه الفوز بالانتخابات، جميع الأسماء المطروحة لخلافة عباس لن تفوز في حال تم إجراء انتخابات. إسرائيل والولايات المتحدة لا تنتخب، ولكنهما يوجهان الإعلام والرأي العام ويوفران الدعم المادي ايضاً لشخص معين يناسب سياساتهم.”

هناك في الواقع عدد من الشخصيات من حركة فتح يتم تداول أسمائها منذ فترة في الإعلام منهم محمود العالول (67 عاماً)، نائب رئيس حركة فتح (رئيس حركة فتح الحالي هو أبو مازن). وقد قام المجلس الثوري في حركة فتح في مارس بتغيير الدستور الداخلي للسماح لنائب رئيس الحركة بتولي مهام أبو مازن إذا أصبح الرئيس غير قادر على الحكم، وهو ما قد يشير إلى نية مسبقة بتحضيره للخلافة. وهناك ناصر القدوة (64 عاماً)، ابن شقيق الرئيس الراحل ياسر عرفات ووزير الخارجية السابق، والذي قدم استقالته من اللجنة المركزية لحركة فتح مؤخراً، ماجد فرج (55 عاماً)، رئيس المخابرات الفلسطيني الحالي، جبريل الرجوب (64 عاماً)، قائد الأمن الفلسطيني السابق. كما يبرز دائمًا اسم محمد دحلان (56 عاماً) على السطح، والذي طُرد من من حركة فتح في عام 2011 بعد استيلاء حماس على قطاع غزة كما أنه اتُهم بالمساعدة على قتل الزعيم الراحل ياسر عرفات، ومروان البرغوثي (58 عاماً) المعتقل في السجون الاسرائيلية منذ 17عاماً. وهناك الموجود دائماً وابداً صائب عريقات (62 عاماً) والذي يتولى منصب كبير المفاوضين الفلسطينيين منذ عام 1996. هناك من يرجح أن من سيخلف عباس ستكون لجنة مكونة من قيادات حركة فتح (حكم ثلاثي لفتح وللمنظمة وللسلطة)، والأجهزة الأمنية الفلسطينية (تخيل كم من الوقت سيستمر هذا التوافق بين ثلاث قيادات؟)

إعلان

“البرغوثي هو شخصية مقبولة بشكل عام، وكل الاستطلاعات تشير الى أنه الاكثر شعبية، ولكنه في السجن الإسرائيلي، أما دحلان فهو خارج النظام، خارج فتح وخارج السلطة، فلا يوجد له أي فرصة بالترشح للرئاسة، وحتى اذا عاد للصورة، فسيبقى في آخر السلم وليس في أوله،” يقول المحلل السياسي هاني المصري. أما عن باقي المرشحين فلا يبدو أن أياً منها يلقى قبولاً شعبياً واسعاً، وهذه هي المشكلة الاساسية، كما يقول المصري، “سبب التعقيد هو أنه لا يوجد شخصية وازنة تحظى بتأييد شعبي. هناك عدة متنافسين ولكن لا أحد منهم له حظوظ أعلى من الآخر.”

إما الاتفاق أو الاتفاق
المصري يرى أن هناك سيناريوهين لا ثالث لهما في حال موت أو استقالة أبو مازن (وهو أمر محتمل): “السيناريو الأول هو أن يتفقوا (بالإشارة إلى أعضاء حركة فتح) خشية من أن يفقدوا كل شيء، والسيناريو الثاني هو أن يختلفوا ويتصارعوا ويضيع كل شيء.” ولكن المصري يرجح سيناريو الاتفاق: “أرجح الاتفاق لعدة أسباب، هناك خصم داخلي قوي أمام السلطة وحركة فتح وهي حركة حماس، وهناك عدو وهو الاحتلال الإسرائيلي، ويوجد حديث عن صفقة القرن، وبالتالي إذا جاءت لحظة الحقيقة، فأعتقد أن قيادات فتح سوف يتفقون وسيقومون بتوزيع مناصب الرئيس فيما بينهم (أبو مازن هو رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس حركة فتح ورئيس السلطة الفلسطينية). ولكن طبعاً هذا ليس الاحتمال الوحيد: “الاحتمال الثاني أنهم يطمعوا ويتقاتلوا وتصير فوضى وانهيار للسلطة وفلتان أمني،” يضيف المصري: “أنا أميل للسيناريو الأول، هو السيناريو الأقوى ولو قليلاً.”

في ظل هذه “العجقة” قد تتساءلون عن دور الشعب الفلسطيني في كل ذلك. أليس من المفترض أن يكون في يدهم قرار من يحكمهم؟ “الشعب، قطعاً لا، لا يوجد شيء أسمه رأي الشعب الفلسطيني، يوجد شعب فلسطيني ولكن لا يوجد له رأي، لم يتم استفتاء الشعب الفلسطيني لا على اتفاقية أوسلو ولا على حل الدولتين، ولم يكن للشعب دور في تعيين أعضاء المجالس الثورية والمركزية والوطنية،” يقول الدكتور والمفكر الفلسطيني عادل سمارة. تشاؤم الدكتور عادل قد يكون مفهوماً، فلا يبدو أن الشعب الفلسطيني نفسه متفائل بالتغيير، أو حتى مهتم بصحة الرئيس الطاعن بالسن. “لو الشعب قلقان على الرئيس، كان بيتشوفيهم مجتمعين بعشرات الآلاف على باب المستشفى للاطمئنان عليه وعلى صحته.” يبدو ذلك صحيحاً إلى درجة كبيرة، فالتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي تتراوح ما التحيز لمحمود عباس و”التسحيج” له كما يقال بالفلسطيني، الى السخرية من الوضع الحالي، إلى الشماته منه بسبب الانقسام بين الضفة وغزة. لا يزال هناك خلاف كبير بين الفلسطينيين على حجم الانجازات والاخفاقات التي حققها عباس خلال سني حكمه الاربعة عشر، فمن جهة، حقق الرئيس الفلسطيني بعض الإنجازات دبلوماسياً من خلال انضمام فلسطين إلى العديد من المؤسسات الدولية والحصول على اعتراف دولي بفلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة، والتركيز على المقاومة الشعبية السلمية ومقاطعة إسرائيل كدولة ابرتهايد عنصرية، ولكن على الجهة الأخرى، يتم تحميل عباس مسؤولية تعزيز الانقسام بين غزة والضفة الغربية والإصرار على الاستمرار بالتنسيق الأمني مع إسرائيل وبعملية سلام أثبتت فشلها اضافة الى التضييق على الحريات العامة وحرية التعبير.

من صفحة علاء ابو دياب على فيسبوك

من صفحة فادي السلامين على فيسبوك

اتفاق أوسلو الذي لا يموت
في مقال في صحيفة هآرتس العبرية يقول المحلل العسكري الإسرائيلي عاموس هرئيل “أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية تعتبر أن عهد عباس انتهى، وحياته السياسية شارفت على الغياب.” هرئيل أيضاً يقول في المقابلة أن “قيادات الأجهزة الأمنية الفلسطينية يعتبرون التنسيق الأمني ذخرًا استراتيجيًا، وأكدوا لإسرائيل عدم توقفه حتى في حال وفاة عباس.” قد يكون عهد عباس شارف على الانتهاء ولكن هل هذا يعني أن تركه أوسلو أيضاً انتهت؟ هل دخل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مرحلة جديدة؟ يبدو أن الجميع متفق على أن أرث أبو مازن المرتبط بإتفاق أوسلو صار عبئاً عليه وعلى من سيخلفه. سمارة والذي يرى أن ما بعد أبو مازن قد تكون هناك طبعة ثالثة من أوسلو، كما دخلت أوسلو “طبعة ثانية” بعد وفاة عرفات. “السؤال هو من سيقود هذه الطبعة؟” يسأل الدكتور عادل ويضيف: “أي سلطة أو دولة ليس لها انتاج محلي، ويتم تمويلها من الريع المدفوع من الخارج تكون مقيدة بالذي يدفع أكثر، انتهى. لا أرى أي تغيير في المستقبل، التغيير يحدث عندما يكون هناك تبادل للسلطات وقيادات منتخبة على أساس برنامجهم الانتخابي. في الوضع الراهن، كل من يأتي للحكم يجب أن يكون اوسلوياً.” لا مجال للخروج من دائرة أوسلو إذن؟ “أعوذ بالله، لو بنقدر نطلع منها كان ما دخلناها،” يقول الدكتور عادل ساخراً.

المصري ينظر إلى الموضوع بشكل مختلف تماماً، فهو يرى أن أوسلو انتهت: “هناك أغلبية، النخبة والشعب، ضد اتفاق أوسلو، أوسلو وصل لطريق مسدود وهذا ما يقوله حتى المتحمسين له. اتفاق أوسلو أدى الى تعميق الاحتلال وليس انهائه، توسيع الاستيطان وتقطيع الأوصال وتهويد القدس وتعميق الانقسام وتهميش القضية الفلسطينية، لم يحقق الاتفاق سوى مصالح لفئات محدودة. هذا الوضع يجب أن يتم استثماره، من خلال ترشيح شخص يعبر عن إرادة ومصالح الشعب، الأهم هو البرنامج الانتخابي لهذا الشخص وليس الشخص أو المرشح نفسه.” وفي حال لم يتم الاتفاق على مرشح هل ستعم الفوضى ونزاع على السلطات وأزمة داخلية داخل فتح؟ “فوضى؟ أبو مازن كان سبباً في الفوضى فهو تَسبب بفتن كثيرة في داخل حركة فتح وبين الفصائل الفلسطينية ولم يقم بأي جهد لتحقيق الوحدة الفلسطينية، لذلك غيابه لا يعني أن الفوضى ستزيد،” يقول قاسم. “في مفهوم الدول المستقلة من الممكن أن يحدث أزمة داخلية تتعلق بالخلافة وصراع على السلطة وتيارات متضادة، لكن بوضع السلطة الفلسطينية لن يحدث أياً من هذا، الذي خلق أوسلو سيقود أوسلو الى النهاية،” يجيب سمارة.

لا يبدو أن هناك الكثير من الضوء في نهاية النفق الفلسطيني المظلم، هل سنتمكن أخيراً من انتخاب شخصية مستقلة تدعم النضال الفلسطيني الطويل؟ “هناك طبعاً أشخاص شرفاء وغيورين على القضية، ولكنهم لن يحظوا بتغطية إعلامية ولا مساعدات مادية، مثلاً إذا ترشح شخص من المعارضة للانتخابات الرئاسية، كم واحد رح ينتخبه، كم واحد رح يتبرع لحملته، ولو بعشرة شيكل؟”

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.